صحافة

















 

مواقع صحراوية

 


 

انت الزائر رقم :

 
 
 
محمد هلاّب

من رحم المعانات .. بين سنوات الغربة والضياع

بقلم : محمد هلاّب

كم ستسْتغرب، وكم ستكون دهشتك كبيرة عندما تسمع عن إنسان في القرن الواحد والعشرين، يبلغ من العمر ما يقارب الأربعين سنة أو أكثر، لم يكن يعرفُ أصلهُ ولا فصلهُ، ولا حتى اسمهُ إلا مؤخراً، قبل أشهر قليلة من الآن ( تحديدا في مارس 2008)، إنه شاب صحراوي يتحسرُ على نفسه، ويتأسفُ على حالة الضياع التي لازمتهُ طوال حياته، وطيلتها لم يكنْ يدري شيئاً ولا يتذكر أي شيء من ماضيه، لا اسم ولا وطن، لا أم ولا أب، ولا حتى كم يبلغُ من العمر... وكم ستكون ردة الفعل غريبة عندما نسترسل في قصته المؤثرة التي حكاها ويحكيها لكل من يسأله عنها.

إنه شاب أو تجاوز مرحلة الشباب، من يدري؟؟ لقد عرف مؤخراً أنه من الجنس الصحراوي، وأنه ابن ذلك الشعب الذي عانى من كل أصناف العذاب النفسي منه والجسدي، خاصة بعد قدوم الغزو المغربي واحتلاله للصحراء الغربية، حيث لم تكتفي آلته القمعية بتدمير الأرض فقط بل تعدت ذلك إلى أن طالت مختلف شرائح الشعب الصحراوي الأعزل. ولعل حالة "موسى" هي واحدة من آلاف الحالات التي تسببت فيها تلك الآلة الجهنمية بانتهاج واحد من أبشع أنواع العذاب الذي يُعرف لدى الرأي العام الصحراوي بـ "الإندساس"، ومعناه عملُ أجهزةُ المحتل المغربي على ملاحقة أفراد الشعب الصحراوي ليس فقط في وطنهم، بل وحتى أيضاً في الملاجئ التي لجئُوا إليها هرباً من القنبلة والتقتيل الجماعي ومن شتى أصناف التعذيب والحرمان، حيث لاحقته أجهزة مخابرات المخزن المغربي بإرسال مندسين غرضُهُمْ العملُ على طمس الجنس الصحراوي عن طريق حقن الأطفال بفيروسات لازال يحمل آثارها الأليمة الكثير ممن نجا منهم، وكذلك عن طريق خطف وتشريد الأطفال وفصلهم عن أمهاتهم وبالتالي تيتيمهم وهم أحياء، وثكل أمهاتهم وهن أحياء... لكنه الشيء الذي لمْ ولنْ يتسنى لهم مهما بذلوا في ذلك من جهد.

إذن موضوع قصتنا هو الناجي من تلك الآلة الهمجية، الذي اختار أن يسمي نفسه في سن متقدمة من حياته باسمي النبيين "موسى" و "عيسى" عليهما السلام، حيث اختار الأول اسماً له والثاني لقباً.

إنه "موسى عيسى" الصحراوي التائه بين سنوات الغربة والضياع، الذي وجد نفسه ـ أو بالأحرى أوشك على ذلك ـ بعد رحلة عذاب مليئة بالمآسي. وجد نفسه كما قال: عندما تعرف على أبناء شعبه من الطلبة الصحراويين الدارسين بالجماهيرية الليبية، الذين حفظوا قصته عن ظهر قلب لكثرة الاستماع إليها والتأثر بها كلما سردها عليهم.

وحتى لا تبقى القصة حكراً على الطلبة الصحراويين بليبيا الذين عايشوا بطلها في مراكز دراستهم وجامعاتهم التي غالبا ما يزورهم فيها نهاية كل أسبوع، وفي الأعياد، وعند تخليد الذكريات الوطنية. وحتى يتمكن الجميع من الإطلاع على القصة، اخترت أن أنشرها كما رواها لي، دون أن أزيدها أو أنقص منها شيئاً، سوى أنني قمت بصياغتها ملتزماً في ذلك أمانة السرد كما سمعتها منه أكثر من مرة، وبعد أن استأذنته في نشرها لكي يصل صداها إلى أبعد حد ممكن.

وإليكُمُوها كما سردها آخر مرة علي في جلسة شاي بتاريخ 04 مايو 2008 عندما زارنا  في القسم الداخلي الذي أُقيمُ به رفقة بعض الطلبة الصحراويين وطلبة من مختلف الجنسيات الإفريقية، بجامعة "المرقب" بمدينة "الخمس" الليبية.

 

ملاحظة: القصة بلسان بطلها "موسى عيسى"، وكل الأسماء الواردة فيها هي أسماء لشخصيات ومناطق حقيقية.

 

من رحم المعانات.. بين سنوات الغربة والضياع

ـ قصة واقعية لشاب صحراوي ـ

البشير عبداتي/ موسى عيسى

كان عمري حينها يقدر بحوالي الست أو السبع سنوات. لا أذكُرُ .. ولا أتذكرُ شيئاً، اللهم إذا استثنيتُ القليل مما بقي راسخاً في ذهني. كل ما أتذكرُه هو امرأة لا تزال صورتها في مخيلتي تحْضُرُني كلما هممْتُ بسرد القصة، إنها امرأة بزي من لونين أسود من الأعلى أبيض من الأسفل، باسم لا أدري لم رجحتُ أنه لها هو "خديجتو"، ولا أعلمُ ما الصلة التي تربطني بها، لا أدري أهي أمي أم خالتي أم أختي... لا أعلم، فقط أذكُرُ أنني كنتُ معها في خيمة شكلُ بنائها لم يفارقني أبداً، منتصبة بعمودين متفرقين من الأرض متلاقيين في السماء. وكنت أدرُسُ عند شيخ كثيراً ما أحاول عبثاً تذكر ملامحه لكن دون جدوى، كنت أمسك بلوح من الخشب رفقة مجموعة من الأطفال في مثل سني نجتمع تحت ظل شجرة كبيرة مع الشيخ الذي كان يشرف على تدريسنا، وإلى حد الساعة لم يفارقني شكل اللوح الذي كنت امسك به ويحوي أربعة أحرف (أ- ب- ت- ث) وهي كل ما في جعبتي من العلم دون سواها وحتى الآن، بقيت راسخة من ذلك الزمن الذي لا أدري كم مضى عليه. وذات يوم تفاجأتُ بالشيخ وهو يضربني بسياط كان يحمله في يده، دون معرفة السبب، لا أدري هل لأني فعلتُ شيئاً مخالفاً أم ماذا. المهم أن تلك الضربة لم تفارق ذهني أتذكرُها دائماً وإلى يومنا هذا كلما نظرتُ إلى الآثار التي رسمتها على جسدي وهي الشاهد الوحيد الذي لم تمحُهُ قساوة الظروف وتعاقُب السنين.

وذات ليلة من الليالي وجدت نفسي رُفقة صبية معي مرمياً في حوض سيارة لا أتذكر ما لونها ولا نوعها، وفيها كنت أتألمُ من ضربة في رأسي لا أعلمُ سببها، وكانت السيارة تسير بنا في ظلام الليل الحالك، لا أعلم كم سارت بنا من الزمن... و بعدها وجدتُ نفسي نائماً في زقاق في مدينة صغيرة ـ أو شبه مدينة ـ قرب منزل، وجاءني في الصباح شيخ وأخذني معه وأدخلني إلى منزل لا أذكر أي كلمة دارت بيني وبينه. وبقيتُ معه مدة لا أدري كم دامت، وأثناء مكوثي عنده كنتُ أخرج وأتجول، وكنت دائماً أسمعُ كلمة "آدرار" إلى درجة أنها ترسخت في ذهني، ولم أكن أدري وقتها ماذا تعني ـ رغم أنني أعلمُ الآن أنها مدينة جزائرية ـ ولم أحمل من الذكريات معي وقتها سوى تلك الكلمة "آدرار" وكلمة أخرى هي "تواتين" كُنْتُ أسمعها تتكرر في مكان مليء بالناس والسيارات كنتُ أرتاده بين الحين والآخر. وكنت عندما أهُم بفعل أي شيء يخطر على بالي لا أُخبر به أحداً، كنتُ هائماً لا أُحدثُ أحداً ولا أقترب منه... وذات يوم خرجتُ من منزل الشيخ دون علمه، ودون معرفة وجهتي، المهم أنني خرجتُ وركبتُ حافلة، ولا أدري كيف فعلتُها ـ رأيتُ الناس يركبون فركبت ـ وقبل أن أستقلها كنتُ أسمع رجلا كان يقف بجانبها يردد الكلمة (تواتين.. تواتين)، وانطلقت الحافلة وعند توقفها كنتُ آخر شخص ينزل من على متنها في مكان شبيه بالمزرعة به ساقيةُ ماء وأشجار نخيل.. وقمتُ بالتجوال في المكان، وأذكُرُ أنني أقمت فيه عند عائلة لا أعرفُ ولا أتذكرُ الآن اسم أحد من أفرادها، ولا حتى كيف التقيتها ولا كم مكثتُ عندها من الزمن، كل ما أتذكرهُ عندها هو أنهم كانوا يأمُرونني بأن أُحضر كذا وأحمل كذا.. كما يفعلُ الخدمُ في المنازل الآن.. وكان جل ما يأمُرونني به هو رعي بعض الماعز، وكنتُ في أوقات الفراغ أتجولُ كأنني أُحاول استكشاف المكان.. وذات يوم ذهبت إلى المكان الذي نزلتُ به لأول مرة من الحافلة كان أشبه بما يعرف اليوم بمحطة مسافرين، وفيه كنتُ أسمع كلمة "عين صالح" تتكرر كثيراً من طرف عدة أشخاص ـ وذلك ربما هو سبب بقائها عالقةً في ذهني ـ وتوجهت مباشرة إلى حافلة، ولا أذكر حينها أنني تكلمت مع أحد، رأيت الناس يصعدون إليها فصعدتُ مثلهم، وبعد قطعها بنا مسافة توقفت ونزلت من على متنها بعد أن رأيت الناس ينزلون، وتوجهت إلى مقهى كان يجلس أمامه عدد لابأس به من الناس وجلست على الأرض بالقرب منهم، وكان بجانب المقهى دكان لبيع الخضار، أتذكر أنني توجهت إليه كان به رجل كبير في السن، لا أذكر ما دار بيني وبينه، أو هل تكلمْتُ معه أصلاً أم لا. ومكثت عنده مدة من الزمن، أتذكر فيها فقط أنه كان يعطيني بعض الحلوى من حين لآخر، ويبعثني لأجلب له بعض الحاجيات، ويطلب مني وضعها في المكان المناسب داخل الدكان ـ وإن شئت أن تقول كأنني كنت أعمل عنده ـ وغالباً ما كانت المقهى بجواره تكتظ بالناس، وكنت دائماً أجلس بمقربة منهم لا أُكلم أحداً ولا يُكلمُني أحد.. أكتفي فقط بالاستماع كمن يسترقُ السمع. وكثيراً ما كنت أسمعُ كلمة "ليبيا" و "تامراست" وما كنتُ يومها أعلم ما تعنيانه ـ وإذا شئت أن تقول أن هاتين الكلمتين قد أثارتاني لكثرة تكرارهما دون أن أدري أو أتذكر السبب في ذلك ـ وذات يوم بعد أن اعتدتُ على المكان وجدتُ نفسي مُقرباً إلى أربعة أو خمسة أشخاص ممن كانوا يترددون على المكان، لم أتعرف عليهم إلا فيما بعد عندما لازمتهم طويلاً وقطعت معهم معظم رحلتي الغامضة. وعندما رأيتهم ذات يوم يهُمون بركوب حافلة طلبتُ منهم أن يُقلوني معهم، وكانت أول مرة أذكر أنني أطلبُ فيها شيئاً من أحد، ولا أتذكرُ هل سألُوني عن شيء أم لا. المهم أنني ركبتُ معهم الحافلة، وعندما توقفت بعد مسير لا أتذكر كم من الوقت دام نزلت معهم في منطقة علمتُ منهم أنها "تامراست"، ومكثت فيها رفقتهم مدة الأسبوع أو الأسبوعين حسب تقديري الآن، وأتذكرُ أنني طيلة تلك المدة كنت أنامُ في العراء (الشارع) أفترشُ الأرض وألتحفُ السماء، ولا أتذكرُ هل كانوا ينامون مثلي أم لا، فقط أتذكر أنني كنت ألتقيهم دائما طيلة النهار. وذات يوم رافقتهم في سيارة دون أن أدري الوجهة التي كنا نقصدها، كانت السيارة تسير بنا في طريق صحراوية خالية إلى أن وصلنا إلى منطقة سمعت منهم أنها تُدْعى "جانيت" ومكثنا فيها يوماً أو يومين بالكثير، ومنها توجهنا على أرجلنا إلى جبل كبير لم يكن يبعد كثيراً عن "جانيت"، ومكثنا به إلى أن حل الليل ثم دخلنا مدينة قالوا بأنها تدعى "غات" ومكثنا عند دخولنا إليها برهة من الزمن تحت شجرة ـ كأننا كنا نريد أخذ قسط من الراحة إذا شئت القول ـ ولم أكن أفعل معهم أكثر من أنني أرافقهم فقط أو أتذكرُ أنني كنت أحاول مساعدتهم عندما أراهم يشعلون النار لإعداد الأكل أو شيء من هذا القبيل. وأتذكرُ أنهم كانوا يعتنون بي جيداً وما كانوا يتركونني لينقصني شيء، وأثناء تجوالنا في "غات" حصلوا على عمل في إحدى الشركات بنفس المدينة، ولم أكن إلا رفيقهم دون أن أعمل معهم. مكثت طويلاً معهم ولم أشأ أن أُفارقهم، وبعد مدة ولجْتُ ميدان العمل وكانت أول مرة أتذكر فيها أنني عملت مُقابل أجر، بعد أن أرْسلُوني مع أشخاص آخرين في سيارة، كنْتُ أقضي معهم طوال النهار. وكان عملي على ما أتذكر هو أنني كنت طوال اليوم أُمسك بعمود وأبقى واقفاً في الطريق بينما يبتعدون عني مسافة غير طويلة يحملون آلة تقف على ثلاثة أرجل كأنها كاميرا ـ إذا شئت القول ـ ولا أدري ما يفعلون، وعند حلول المساء يقلونني معهم ويعيدوني إلى جماعتي التي كانت تعْطيني بدورها في كل ليلة البعض من النقود كانت بمثابة أجر تدفعه الجماعة التي كنت أشتغل معها، حيث أنها لم تكن تُعْطيني الأجر مباشرة بل كانت تُسلمه لجماعتي لأنها ربما كانت ترى فيهم أوصياء علي ـ والسبب في ذلك ربما صغر سني ـ

وكنت أكبر شيئاً فشيئاً وتزداد فطنتي يوماً بعد يوم، لكن دون تذكر شيء من الماضي، اللهم إذا استثنينا أدق تفاصيل بعض الأمور كما تمت الإشارة إليها ـ كنتُ إذا شئت القول كمن فقد ذاكرته ـ وأتذكرُ أنني والجماعة التي كنتُ برفقتها غالباً ما كنا نستقل سيارات التهريب أثناء تنقلاتنا، وبواسطتها كنا نتردد على التراب الليبي عبر الحدود الجزائرية الليبية، وذات ليلة دخلنا بواسطة إحدى تلك السيارات إلى "ليبيا" وبالضبط مدينة "أوباري" ومنها توجهنا مباشرة إلى مدينة "بن دْبية" هذه الأخيرة التي أصبحتُ فيها أُميزُ بين الأحداث، وأصبحتُ أدرك التاريخ، وعرفْتُ أنها سنة 1979.

 وفي "بن دْبية" أقمنا في مسجد كان في طور البناء كنا نستعمله سكناً وملاذاً، وولجتُ ميدان العمل، هذه المرة اشتغلْتُ مع ليبي في مجال كهرباء المنازل، حيث كان رب العمل يخط لي في الجدران وأنا أقوم بالحفر، ومع مرور الزمن تعرفْتُ عليه جيداً لكونه يقْطُنُ في منزل بجوار المسجد الذي كنا نقيمُ فيه... وتعرفنا على المنطقة جيدا، وانتقلتُ للعمل في جمعية لتوزيع المواد الغذائية كنتُ قد تعرفت على أفرادها بعد الاحتكاك بهم، عملتُ في الجمعية حمالاً أقوم بإنزال المواد وكنتُ أصغر عضو من بين عمالها، وحينها قدرتُ عمري بالعشْر سنوات تقريباً أو أكثر بقليل، وفي نفس المنطقة وبينما كنتُ في مسجد أستعد للصلاة جلستُ لحظات أتساءلُ مع نفسي: لماذا أنا بدون اسم شأني شأن باقي الناس؟ وعندها أطلقت على نفسي اسم "موسى عيسى" اقتداءً باسمي النبيين "موسى" و "عيسى" عليهما السلام. وكان السبب في معرفتي أنها سنة 1979 هو أنه كان بحوزتي مبلغاً من المال يقدر بحوالي الـ 220 دينار ليبي، حيث طلب بعض الشيوخ زملائي في الجمعية بأن أُحضر لهم ذلك المبلغ بعد أن سألوني عن عدده، وبعد مضي ثلاثة أيام من الطلب أحضرتُهُ لهم، وكان غرضُهُم من ذلك هو أنهم يريدون أن يستبدلُوهُ لي بنقود جديدة بعد أن أخبروني أنها لو مكثت عندي أسبوعاً بعد ذلك كانت ستضيعُ علي، ولما استبدلُوها لي عرفتُ عن طريق النقود الجديدة أنها سنة 1979 حيث كانت مكتوبة عليها.

وبقيتُ هكذا أتراوحُ من عمل إلى عمل، تارةً أعملُ في المنازل وتارةً أخرى في المزارع... وهكذا أتدبر أموري. تارة أعمل مع الجماعة التي رافقتها من الجزائر، وتارةً أُخرى أعمل بمفردي. ومع مرور الزمن افترقنا كل ذهب إلى وجهة حسب طبيعة العمل. وكنا غالباً ما نلتقي في "أوباري" و "بن دْبية" (المنطقتين متجاورتين). وبعد مرور مدة من الزمن اتفقنا عندما التقينا على العودة إلى المنطقة التي التقينا فيها لأول مرة (عين صالح)، وفعلا رجعنا إليها ومكثت معهم قليلا من الوقت ومنها حجزوا لي تذكرة سفر بواسطة طائرة لنقل عمال في شركة بترولية من "عين صالح" إلى منطقة بالحدود الجزائرية الليبية قرب منطقتي "دبْدابْ" و "حاسي مسْعُود" الجزائريتين، وكانت أول مرة أستقل فيها طائرة، ثم دخلتُ بواسطة حافلة إلى "دبداب" مع مجموعة أشخاص لم أكن أعرف منهم أحداً ولا أفهم من كلامهم شيئاً، وعند وصولنا إلى "دبداب" جلستُ بالقرب من مسجد بجنب جماعة كانت تستعد لدخول مدينة "غدامس" الليبية القريبة من "دبداب" الجزائرية (مدينتين بالحدود الجزائرية الليبية قريبتين من بعضهما)، وطلبت منهم السماح لي بمرافقتهم فوافقُوا، وعند حلول الليل توجهنا متسللين إلى "غدامس" ووصلنا إليها قبل بزوغ الفجر بقليل، ومنها استقليْنا حافلة صوب مدينة "طرابلس"(العاصمة الليبية). وفي الحافلة تعرفت على رجل جزائري، وسألته: إلى أين تتجه؟ فرد علي بأنه يريد "طرابلس"، وطلبتُ منه أن يقبلني رفيقاً بعد أن أخبرتُه أنني لا أعرفُ أحداً ولا مأوى لي هناك، وأجابني أنهُ بدوره يعاني من نفس المشكل، ورغم ذلك دخلنا إلى "طرابلس" وبتنا ليلتنا في المحطة، ومع حلول الصباح توجهنا إلى بناية بالقرب من المحطة كانت في طور البناء، وهي البناية المعروفة الآن بالفندق الكبير الشهير المكون من ثلاث أبراج اسمه "ذات العماد"... ومكثتُ مدة من الزمن في طرابلس كل مرة أعمل في عمل، وبعد جمع مبلغ لابأس به كنت أشتري بعض الملابس وأسافر بها إلى "غدامس" بواسطة سيارات التهريب وأبيعُها ثم أعودُ إلى "طرابلس"، وكانت أغلب رحلاتي مع الجزائريين، لا أعرفُ لماذا؟ ربما لثقتي بهم ومحبتي واستراحتي لهم... وهكذا كان الوقت يمر اليوم بعد اليوم والليلة بعد الليلة دون أن أعيرهُ اهتماماً. وكانت آخر مرة دخلت فيها إلى الجزائر سنة 1984 وبعدها لم أدخل إليها إلى يومنا هذا.

وفي سنة 1986 سافرتُ إلى مدينة "بني غازي" بالشرق الليبي ثم إلى مدينة "المرج" حيث استقريت فيها مدة من الزمن عملتُ فيها في مصنع للطوب الذي يستعمل في البناء (البْريكْ). وفي يوم من الأيام بينما كنت رفقة ثلاثة جزائريين جاءني رجل سوري اسمهُ "علي" ذهبت معهُ وعملتُ معه في مدينة "بطة" في مجال النجارة الخاصة بالبناء (الكُوفْراجْ) كنتُ أعمل مساعداً له ومكثت معه ما يزيد على الثمانية أشهر وأصبحتُ أُتقنُ الحرفة جيداً، واتجهتُ بعد ذلك إلى العمل بمفردي في نفس الحرفة. وذات يوم بينما أنا في مدينة "المرج" كنتُ واقفا على الطريق ذات مساء أنتظرُ سيارة أجرة فإذا بسيارة صغيرة (طاكسي) تتوقف علي وطلب مني صاحبها الركوب، وركبتُ معهُ وسألني باللهجة الليبية: "أنْت منْ وينْ؟" فأجبتهُ بأنني من "الساقية الحمراء" ـ مع الإشارة أنني لم أكن أعرفُ ماذا تعني الساقية الحمراء، فقط وجدتُ الناس في ليبيا يقولون بأنني منها بعد أن أخبرهم الجزائريون أنني منها، ربما لأن الجزائريين يعرفون أنني منها أو لا أدري، المهم أنني اعتدتُ على أن أقول أنني من الساقية الحمراء ـ (الساقية الحمراء عند أغلبية الليبيين وعاميتهم تعني الصحراء الغربية)، وعندما أخبرته أنني من الساقية الحمراء، قال لي: بأنه يوجد واحد من نفس بلدي، وفجأة شعرت بالفرحة والسعادة تغمرني.. وطلبتُ منه أن يدلني عليه، فرد علي: إنه يشتغل في "الجبل الأخضر" في مدينة "المرج"، ووصف لي المكان الذي يمكنُ أن أجده فيه، ثم توجهتُ مباشرة إليه وسألتُ عنه، ووجدتهُ وتعرفت عليه وعرفته بنفسي وسردتُ عليه القصة من البداية إلى النهاية، وقال لي: نعم أنا ابن بلدك، ولكنني كبرْتُ وترعرعتُ في المغرب بـ "مراكش"، ثم سألني قائلا: ما رأيك في أن أُعد لك بطاقتك وكافة الإجراءات المتعلقة بالهوية؟ فأجبتهُ بعد أن كدتُ أطير من الفرح: ياليت ذلك يكون حقيقة، وقال لي: بأنه سيذهب بي إلى مركز الشرطة للبدء في الإجراءات. ونحن في الطريق إلى المركز أخبرتُهُ بأنني لن أتكلم، وقال لي: لا عليك سوف أتكلمُ أنا، وفي مركز الشرطة أخبرهم بأنني قد أضعت جواز سفري وكل أوراقي، فصدقوه وطلبوا منه أن نقوم بكتابة بلاغ ضياعة، وسلمني الشرطي البلاغ ووضعته في جيبي وخرجنا، وفي الطريق سألني: هل أريد الزواج؟ فأجبتهُ بالموافقة في حال وجدت من تناسبني، وقال لي: بأنهُ سوف يتكلم لي مع امرأة في المغرب، وسيطلبُ منها أن تبعث بصورتها... وبعد مرور أيام ليست بالكثيرة سلمني الصورة بعد أن قال لي: بأنها بعثتها عبر البريد وأن اسمها "فاطمة محمد العمراني"، فنظرتُ إليها ورديتُ عليه بالموافقة، وقال لي: بأنه تكلم معها وبعث إليها برسالة الموافقة، وبدورها بعثت هي بالرد بالموافقة، وبعد مدة كثرت فيها المراسلات بيني وبينها حيث كان هو الوسيط بيننا وهو الذي يكتبُ إليها نيابةً عني، أخبرني بأنها وجدتْ قطعة أرض بمراكش مساحتها 172 متر مربع، وقال بأنها بعثتْ تطلبُ نقودا لشرائها حتى نسكنها بعد الزواج، وقال لي المبلغ المطلوب بالدرهم المغربي، فوافقتُ رغم أنني لم أكُن أعرف كم المبلغ المطلوب. ومنذ تلك اللحظة كنتُ أُعطيه كل ما أحصُلُ عليه من أجري في العمل، كل مرة أسلمُهُ مبلغاً، تارةً 500 دينار وأخرى 400... وهكذا على أساس أنه سيبعثه لها لشراء القطعة الأرضية المتفق عليها. حتى بلغ عدد المبلغ بالتحديد والحساب الدقيق 2200 دينار ليبي، هذا فقط فيما يلزم لشراء القطعة ناهيك عن المصاريف اليومية التي لم أكن أُعدها، ولم يكن بيننا عقد مكتوب أو ما شابه، بل كل ما كان بيننا هو وكالة شفهية تعاهدنا فيها على كتاب الله وأمامه وحده سبحانه وتعالى، كنتُ قد وضعتُ كامل ثقتي به على أساس أنه ابن بلدي كما أخبرني، ولم أكن أسكُنُ معهُ كنتُ فقط أزوره بين الفينة والأخرى في منزله مع أسرته المتكونة من زوجته التي نسيت اسمها، وابنيه "حمادة" و "فدوى"، وهو كان يدعى "عبد الواحد المكتومي" لازلت أتذكرُ اسمه جيدا ولم ولن يغيب عن ذاكرتي.

ومع حلول سنة 1991 حيث قامت حرب العراق على الكويت كما كنت أسمع لدى الرأي العام، أخبرني "عبد الواحد" بأنه سيسافر إلى المغرب وعند عودته سيُحصر لي المرأة التي سأتزوجها ومعها جواز سفري وبطاقتي الوطنية، وفعلا سافر رفقة أسرته إلى المغرب، وقبل سفره كان قد طلب مني أن أسكن في منزله ريثما يعود من السفر، وقبل التوجه إلى السكن الجديد بعتُ كل ما كان بحوزتي من حاجيات وذهبت إلى المنزل بعد أن سلمني المفتاح ورقم هاتفه في المغرب قبل سفره، وكانت لحظة وصولي إلى المنزل مساءً مع غروب الشمس تقريباً، وعندما فتحتُ الباب الخارجي لم أجد سوى بيت واحد من بيوت المنزل مفتوحاً والباقي كله مقفلا بما فيه الحمام والمطبخ، وعندها جلست مع نفسي أتساءل: كيف يُعقل أن يفعل "عبد الواحد" هكذا؟ وبدأ لأول مرة يساورني الشك تجاهه، لكنني لم أعر الأمر اهتماماً، وقلت ربما السبب هو العجلة ومشاكل السفر وهمومه، وقلتُ لنفسي بأنه لم يكن يقصد ذلك، خاصة وأنه كان قد طلب مني أن أعتبر نفسي واحداً من العائلة، وكنتُ لا أُناديه إلا "عمي"... و قمتُ في تلك الليلة بكسر قُفل باب المطبخ والحمام، وعند دخولي إلى المطبخ لم أجد فيه سوى الجدران، ومرة أخرى انتابني الشك. وبت تلك الليلة دون غطاء ولا فراش وكان الجو بارداً جداً، وعند حلول الصباح كانت معي علبة حليب (نيدو) وصنعت منها شراباً بمزجها بماء جلبتهُ من الحمام كان الماء بارداً جداً وشربت منه، الشيء الذي تسبب لي في الزكام والحُمى، وكنت أتوجهُ إلى العمل وأنا مريض غير قادر على الحراك... وبعد مُضي شهر طلبتُ "عبد الواحد" في الهاتف عبر الرقم الذي أعطاني إياه قبل سفره، و ردتْ علي سيدة سألتها عنه وأجابتني: بأنه قد سافر رفقة أسرته والزوجة المنتظرة إلى ليبيا. وفعلا جاء "عبد الواحد" إلى ليبيا رفقة أسرته، لكن الزوجة المنتظرة لم تأتي معهم ولم يأتي معهم الجواز ولا البطاقة، وعندما سألتُهُ عنهم رد علي قائلا: بأن الجمارك حالت دون وصولهم وبالتالي أرجعتهم إلى المغرب، وأعطاني فقط صورة لبطاقة وليست بطاقة أصلية كانت عليها صورتي بالفعل، أما الاسم فلا أعرف إن كان اسمي أم لا لأنني لا أعرف القراءة ولا الكتابة، وكل ما أعرفه منها هو الأرقام فقط وتلك الأحرف التي بقيتْ راسخة في ذهني التي كانت مكتوبة في اللوح الخشبي الذي كان يدرسني فيه ذلك الشيخ الذي ذكرته آنفاً (أ- ب- ت- ث). استلمتُ صورة البطاقة وصدقت الحكاية، وذهبت مُعتقداً بأنها ستفي بالغرض. واصلت عملي وكنت دائماً أتردد عليه في منزله كالمعتاد (للإشارة فلا يزال يقيمُ إلى حد الساعة في نفس المنزل بمدينة "بطة" نفسها)، وذات مرة بينما كنتُ أجلسُ معه سألته: لماذا تسافر وتترك أبواب البيوت في المنزل مقفلة بما فيها المطبخ والحمام؟ فرد علي قائلا: بأنها مجرد غلطة لم تكن مقصودة مرتْ عليه دون أن يشعر بها، لكنني لمْ أسْترحْ لجوابه وازداد شكي فيه، ولكني لم أظهرْ له شيئاً بل تركتُ ذلك بيني وبين نفسي... وتذكرتُ جيداً عندما حذرني منه رجل ليبي كنتُ أعرفه قبل أن أتعرف على "عبد الواحد" كان قد حذرني منه بقوله: أنه ليس رجلاً أمينا، وأموره غير واضحة لأنه كما كان يعرفني فإنه يعرفه أيضاً تمام المعرفة، إلا أنني وقتها لم أهتم لكلام الرجل الليبي ظناً مني أنه ابن بلدي وابن عمي وكنت أجد فيه الضالة التي لطالما بحثت عنها طوال حياتي ولن أجد منه إلا الخير.

وفي يوم من الأيام كان هناك رجل مصري كانت قد جمعتني به الصدفْ كنت أرتاد عليه في عمله حيث كان يعمل في مصنع للطوب الذي يُستعمل في البناء (البْريكْ) أزوره بين الفينة والأخرى أتحدث معه، وبينما أنا معه جاءنا ابن صاحب المصنع، لم يكن يعرفني فسألني ذلك السؤال الروتيني المعتاد: منْ وينْ أنْت؟ فأجبته: بأنني من الساقية الحمراء، لكن الأوراق التي معي من المغرب (أقصد صورة البطاقة التي سلمني إياها "عبد الواحد")، فاستغرب وقال لي: كيف من الساقية وأوراقك مغربية؟ وسلمتُه البطاقة، فنظر إليها وقال: هذه بطاقة مزورة، فقلت له: كيف مزورة؟ هذه بطاقتي جلبها لي عمي من المغرب.

وطلب مني أن أتركها عنده لمدة ثلاثة أيام فقط ليعرف إن كانت أصلية أم مزورة، وتركتها معه... وبعد مرور ثلاثة أيام أعادها إلي ولم يقل لي شيء فأخذتها وأعدتها إلى جيبي وذهبت... بعد مرور أيام ليست بالكثيرة بينما كنت أعمل رفقة شاب تونسي ـ كان أول وآخر شاب تونسي يعمل معي في حياتي العملية كلها ـ  كنا نعمل في مزرعة، وفي المساء أخبرتهُ بأنه لدي إحساس أن أحداً سيأتي خصيصاً يريدني. ولم نلبثْ إلا لحظات حتى جاءني رجال الشرطة وكنت أعرفهم جيداً، وقالوا لي: نريدك يا موسى، وقال لي أحدهم: هل تخاف من شيء يا موسى؟ فرديْتُ عليه: لا.. لله الحمد والشكر لا أخاف من شيء، ولماذا أخاف؟ فرد علي بدوره: ولماذا لا تخاف؟ فقلت له لأنني لم أفعل شيئاً، ثم قال: صح. وطلب مني البطاقة وأعطيتُهُ إياها رفقة البلاغ الذي كان معي، فأخذهما وتصفحهما جيداً ورد لي البلاغ واحتفظ بالبطاقة ـ والحديث الذي دار بيننا كان كله في السيارة، (سيارة الأمن الداخلي) ـ وأوصلوني معهم إلى حيث كنتُ أُقيم، وطلبوا مني أن آتيهم في الغد على الساعة التاسعة والنصف صباحاً... وبت ليلتها وعند حلول الصباح توجهت إلى المركز، حيث بدؤوا معي بكلام ذو لهجة لم أفهمها، بدؤوا يلفقون لي التهم، بأنني مزور وشيء من هذا القبيل... فأنكرت لهم ذلك وقلت لهم: بأنه ليست لي علاقة بالتزوير ولا أعرف حتى معنى كلمة تزوير، وأخبرتهم متسائلا: كيف أزور وأنا لا أعرف القراءة ولا الكتابة.  ثم أرسلوني إلى مركز آخر أكبر بـ "المرج" نفسها، بعد أن استدعوا "عبد الواحد". وبعثونا نحن الاثنين إلى "مركز المرج الكبير"، وعند دخولنا إليه وجدت على غير العادة رجال الحراسة مسلحين، فتساءلتُ مع نفسي: لماذا كل هذا؟؟ وقاموا باستدعاء "عبد الواحد" قبلي وبقيت أنا أنتظر بالخارج... و عندما جاء دوري نادوا علي فدخلت ووجدت أمامي رجُليْ شرطة أحدهما جالس يكتب والآخر كان واقفا، فسألني: أنت من وين؟ وأجبته: من الساقية لكن الأوراق التي بحوزتي مغربية. وأعاد علي نفس السؤال: أنت من وين؟ وأجبته بدوري نفس الجواب. وعندها صفعني حتى أحسست أنني فارقت الأرض وكدت أفقد الوعي، ثم سألني: من أين تعرف "عبد الواحد"؟ فأجبتهُ بأنه ابن بلدي وليس لدي سواه في ليبيا كلها. ثم رفع الشرطي يده ليعيد لي الصفعة، وعندها قُلت له: إياك أن تضربني مرة أخرى. وقال لي: لماذا؟ فأجبته قائلاً: كل ما سألتموني عنه أجبتكم عنه بصراحة، وأنه ليس لدي شيء أخفيه. وعندها بدأ يشْتُمني بأقبح الكلام، ويقول لي: ما أدرانا نحن ربما تكون جاسوساً... وقلت له مستغرباً مندهشاً: كيف؟؟ أنا قُلت لكم بأنني من الساقية الحمراء ولا علاقة لي بما تنسبه إلي ولا أعرف عنه شيئاً. وبعدها أحالني إلى غرفة بمفردي بالمركز. وفي المساء نقلوني إلى مركز شرطة آخر مكثت فيه ليلة واحدة، وفي صباح اليوم التالي نقلوني إلى مركز النيابة، وكانوا قد طلبوا من "عبد الواحد" أن يأتيهم في مركز النيابة، وعندما أدخلونا الاثنين أنا وهو إلى غرفة للتوقيف بمركز النيابة، لم أشأ أن أكلمه، و ناديْتُ على واحد من جماعة الأمن كان بالقرب منا وقلت له: بالله عليكم هذا الرجل اتركوه في حاله ليس له علاقة... فأجابني الشرطي سنتركُه إن لم نكن بحاجة إليه، وبعد مضي لحظات أرخوا سبيله فعلا، وبقيتُ أنا في غرفة الحجز مدة 24 ساعة بدون تحقيق ولا حكم، ولم يُثبتوا علي سوى أن البطاقة مزورة فعلاً، لكنني أخبرتهم بأنني لم أكن أعلمُ أنها مزورة، ولو كنتُ أعلم ذلك لكنتُ قد مزقتها قبل أن تُضبط عندي... وأخبروني بأنني لن أخرج حتى يأتي شخص يكفلني ويضمنني، وسألوني: هل يوجد ذلك الشخص؟ وأجبتهم: لا يوجد أحد يكفلني سوى الله سبحانه وتعالى.

وبعد مُضي 24 يوماً قضيتُها كلها في التوقيف، إذا برجل من "حركة اللجان الثورية" يدخل صدفةً كان يعمل ضابطاً أيضا، أعرفه جيدا ويعرفني تمام المعرفة في المدينة، إلا أنه استغرب كما أخبرني بعد ذلك بأنه لم يعد يراني وظن أنني سافرتُ أو شيء من هذا القبيل... وعندما رأيته يدخل المركز ناديته، فالتفت إلي متفاجئاً، وجاءني وسألني عن سبب وجودي بالمركز، وحكيت له الأخبار بالتفاصيل، وقلت له: الآن أريد منك خدمة. ثم قال لي: تفضل ما هي يا موسى؟ وقلت له: أريدك أن تكفلني، ولكن لن أقول لك بأنني سأعطيك مقابلاً ـ لأنه لم يكن معي شيء حينها ـ ولا أريد أن أعدك بشيء لا أملكه حتى لاأكذب عليك في الأخير. ثم قال لي: لا تهتم سأكفلك. وفعلا قام بالتدخل لإطلاق سراحي، وكفلني أمام النيابة، وقبل أن يُخلوا سبيلي طلبوا مني أن أعود إليهم في صباح اليوم الموالي عند الساعة العاشرة صباً. وطلبوا مني أن أحضر كفالة قدرها 400 دينار ليبي، ولما قلت لهم بأن المبلغ كثير وليس باستطاعتي دفعه، قاموا بتخفيضه بتدخل من نفس الرجل ـ جزاه الله خيراً ـ إلى 200 دينار. وذهبت وفي طريقي قبل الوصول إلى باب المركز كان يقف رجل شرطة أخبرني أنه كان حاضراً لما كان المحقق  يستجوب "عبد الواحد" وسمع إنكاره الشديد لمعرفتي، بل أيضاً سمعه وهو يقول بأنه لا يعرفني ولا حتى التقاني من قبل، وسألني: كيف وأنت تدعي بأن الرجل عمك وابن بلدك؟ وإذا كان كما تدعي كيف يتركك دون أن يفعل شيئاً أو حتى على الأقل يسأل عنك؟ ولم أتألم في حياتي التعسة المليئة بالمخاطر والمآسي مثل ألمي في تلك اللحظة... ومباشرة بعد خروجي من المركز توجهتُ إلى "عبد الواحد" وقلتُ له أمام عياله: أهكذا تُعاملُني؟ لماذا وأنا الذي وضعتُ فيك كامل ثقتي، وأعطيتك كل ما املك...؟؟؟ وتشاجرت معه بالكلام وتركته بعد أن عرفتهُ على حقيقته. وذهبت أتدبر المبلغ المطلوب مني للكفالة، وحصلت عليه من بعض المعارف، وفي الصباح توجهت في الموعد المحدد إلى النيابة وسلمته لوكيل النيابة الذي قال لي: اسمع يا موسى.. يجب أن تترك هذه المدينة (يقصد "بطة") حاول أن تتركها. ولم أفهم لماذا؟ إلا أنني أدركت فعلاً أنه من الأفضل لي أن أتركها، وقبل خروجي من عنده أعطاني رقم هاتفه وطلب مني أن أُكلمه في أي وقت احتجتُ إليه  أو عند أي مشكلة تصادفني.

وفعلاً سافرت إلى مدينة "جدابية" ومكثت فيها إلى سنة 1994 وبالضبط مع نهائيات كأس العالم ـ لم أكن أتفرج عليها لكن اخترت أن أثبت بها التاريخ لأنه في ذلك الوقت كان الكل مشغول بها، وأكيد لابد وأن يكون كل واحد يعرف التاريخ بالأحداث ـ ثم سافرت إلى "طرابلس" وحصلت فيها على عمل في البناء حيث كنت أشتغل في بناء عمارة وكان المشرف علينا رجل سوري، كان قد كلفني بتولي منصب الإشراف على عملية البناء وكان يشتغل معي جزائريون شغلتُهم معي بعد أن طلبوا مني الشغل، فشغلتهم لأنني رئيس العمال، ولأنني أعرف أن الجزائريين رجال بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولا أستريح إلا معهم. وكنت أتخذ من العمارة محلا للعمل والسكن في آن واحد.  وبعد الإتمام من العمل في تلك العمارة، ذهبت رُفقة الجزائريين الذين كانوا يشتغلون معي للبحث عن عمل آخر، وهو ما تسنى لنا بسرعة مع سوريين آخرين، وكنا نعمل في مكان واحد ونسكن في نفس المنزل كل واحد منا له غرفتُه الخاصة، ومكثت معهم في بنفس العمل (البناء) حتى سنة 1995 في "طرابلس" وفي كل مرة كان يزيد عدد الجزائريين الجدد يبحثون عن العمل ويسكنون مع أبناء بلدهم معنا، وذات يوم جاءنا واحد من منطقة "تيارت" كان خبيرا في نفس الحرفة التي أجيدها أنا (النجارة في مجال البناء) وعملْنا مع بعضنا وتعرفنا جيدا بعضنا على الآخر، كان اسمه "أعمر فرحات" وحل شهر رمضان، وانتقلت برفقته بعد أن كثُر العمال وكثر الضجيج والسهر، لأن ذلك الجو لم يكن يناسبنا، وانتقلنا إلى سكن بعيداً عنهم. وذات مرة حكيت له قصتي كاملة، وسألته: ما عساني أفعل؟ فرد علي بأنه لن يدخر جهداً في مساعدتي، وكنا دائماً عندما ينتهي العمل نخرج لنبحث عن أي دليل يمكن أن يعيد إلي من أكون ومن أين أتيت، وكيف كل الناس يعرفون أوطانهم وأهاليهم إلا أنا فقط لا أعرف شيئاً من ذلك.

 ومع توالي بحثنا وصلنا إلى أنه توجد سفارة للساقية الحمراء، وعرفنا أيضا أن الساقية الحمراء عند الليبيين هي نفسها الصحراء الغربية وجبهة البوليساريو عند العالم... وقلت له: بأنه لن يهدأ لي بال حتى أجد هذه السفارة ومهما كلفني الثمن، وطلبت منه أن يواصل البحث معي وكلفته بمهمة لم أكن أستطيع القيام بها وهي أن يقرأ لي كل لافتة نمر بها في طريق بحثنا... وذات يوم التقينا بجزائري وسألناه عن السفارة، وبالصدفة كان يعرف مكانها، كان قد مر من أمامها من قبل، ودلنا عليها. وفي اليوم التالي ذهبنا إلى مكتب السفارة، ودخل معي إليها حيث وجدنا بها أشخاصاً لم أعرف من هم ولم أرى فيما بعد إلا "أحمد بابا" لأنني اعتدت على لقائه المتكرر بعد ذلك، وحكيت لهم القصة من البداية إلى النهاية وكان ذلك سنة 1996.

وطبعاً بعد ذلك تعرفت على كل الصحراويين الموجودين بليبيا واحداً واحداً، سواء على الذين منهم يدرسون أو الذين يعملون أو الذين يُقيمون، وكان أكبر همي هو أن أجد وطناً أنتمي إليه يأخذني بين أحضانه لكي أكون كباقي البشر، وبكوني إنسان، والإنسان دائماً يسعى إلى المزيد، واصلت البحث لكن هذه المرة واصلته مع أبناء وطني الذين أعتبرهم كلهم وطني وأهلي وكلهم أملي في الحياة وفي إيجاد عائلتي المباشرة.

ومنذ أن التقيت وتعرفت على السفارة الصحراوية وأبناء شعبي من الصحراويين بليبيا وأنا أحاول أن أجد عائلة تسأل عن ابن لها فقدته منذ زمن بعيد لا أدري كم مضى عليه، ولكن أملي بالله كان دائماً كبيراً ولم أنفك عن رفع يدي للدعاء في كل وقت وعند كل صلاة... وقد توصلت بعديد المراسلات عبر السفارة وعبر الطلبة من عائلات عديدة في المخيمات حالها مثل حال عائلتي، تفتقد هي الأخرى إلى أبناء لها، وأطلب من الله عز وجل أن يجمع كل تلك العائلات بأبنائها كما أطلب منه أيضاً أن يجمعني بعائلتي، وأن يجمعني بها في وطننا حراً مستقلا فوق كل ربوعه، وأن يجعل الفرحة فرحتين.

وكنت دائماً أقول بأن عائلتي هي تلك التي ستخبرني عن علامة في جسدي لا يعلمها إلا الله ثم أنا وأمي إن كانت لا تزال حية أو من يحُلُ محلها، وقد استجاب الله لدعائي ووجدت تلك الأم التي تأكدتُ أنها فعلا أمي الحقيقية عندما أعطتني إلى جانب تلك العلامة التي كنت أحْلمها علامتين إضافيتين لم أتفطن لهما طوال حياتي إلا بعد أن أخبرتني بهما، وعندها قلت سبحان الله، وحمدته وشكرته كثيراً لأنه أبقاني حياً ولم يأخذ روحي قبل معرفة وتحديد هويتي، وأطلبُ منه عز وجل أن لا يأخذها حتى أملأ عيني بأمي وعائلتي كلها وبكافة أفراد الشعب الصحراوي... ولله الحمد فأنا الآن ومنذ أن عرفتهم دائما على اتصال بهم وقد توصلت بصور والدي ووالدتي وبعض أفراد العائلة في يوم من أجمل الأيام عندي، يوم كنتُ أُشاطرُ فيه الطلبة الصحراويين بليبيا تخليد الذكرى الثانية والثلاثين لإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، عندما التقيت بإحدى المُشرفات الصحراويات على طالبات الإعداديات والثانويات بليبيا هي "أم المؤمنين" التي كانت عائدة لتوها من المخيمات، حيث جلبت لي معها الصور وأرقام الهواتف إلى جانب إسمي الحقيقي الذي سمتني به والدتي شأني في ذلك شأن باقي ابن آدم. ومن خلالها عرفتُ بأن عائلتي تقطن بالمخيمات في ولاية السمارة دائرة حوزة.

إلا أنه للأسف بعد كل هذا العمر وبعد أن أيقنتُ أن المأساة ستنتهي، إلا أنني أحسست بها الآن أكثر من أي زمن مضى حيث ظننْتُ أن الشمل أصبح غاب قوسين أو أدنى من الجمع، وفجأة بدأت العراقيل بدعوى إجراءات السفر علماً بأنني أحمل على جواز سفر صحراوي أعدته لي السفارة الصحراوية منذ أكثر من ثلاثة سنوات على أساس أنها ستمكنني من السفر بعد أن وجدْتُ نفسي، وها أنا ذا ومنذ ذلك الوقت غير قادر على لقاء والدتي وعائلتي التي بكتني طيلة هذه السنوات وظنت أنني انتهيت إلى الأبد. وبعد أن فُرجتْ أو كادت، هاهي ذي يبدوا أنها تتعقد من جديد.

وفي الأخير أطالبُ المسؤولين والمعنيين بالأمر أن يتدخلوا ليكملوا فرحتي وبالتالي يمكنونني من السفر للقاء عائلتي وأبناء شعبي، خاصة بعد أن أُعلمُ الجميع بأن ذلك هو كل مناي ورجائي في هذه الدنيا.

 

عودة الى الصفحة الرئيسية

مقالات & شعر

 
 

جميع حقوق الشعب الصحراوي محفوظة ©