|
"
إِنَّ
الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا
أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
"
لعلكم رفاقي /ة؛
تذكرون حكاية زرقاء اليمامة..
تلك
الشابة الخارقة البصر و البصِيرة..
التي
دفعت بصرها ثمنا حرصا منها على اليمامة و منام أهل اليمامة
...
مر زمن طويل على
الحكاية،
و لم
يُعد التاريخ نفسه و لم يهب القدر هذه القدرة لسواهـا
...
و عندما أراد القدر
إعادة الحكاية (حكاية زرقاء اليمامة
..(
اختار
زمن زماننا و مكان غير اليمامة
..و
عنون الحكاية بحكاية ( خيا سلطانة)..
في وطن أشبه بقطعة من
فردوس سقطت على الأرض
,
عاش أهلها في
رخاءٍ و بداوة،
إلى أن
حل بهم ما حل بأهل اليمامة
..
فتحولت الأرض
بأشبه من كمامةَ..
لأن من
أحتلها ملك صاحب جلابةَ و جيشه يدعى بـــ
"الحمالةَ
" ..
و أصبحت الأرض في
دوامة ..
و
قتلوا الرضيع في مهده ..
و
أحرقوا الأخضر و اليابس ..
و
بطشوا بالأحرار و جعلوهم أذلاءً .. و نهبوا الأرض و البحر و حتى السماء نهبوها
ازرقاقها..
و
سلبوا أهل الصحراء الماء و المال و العادات و الأمن و الأمانة
..
و عاش أهلها في شتات
يقسمهم جدار مدجج بالأسلاك و الألغام و الدبابة و جيوش جرارة من المغول الحمالة
...
ولدت الفتاة الحمامة؛
بالأرض التي أصبحت في دوامة..
عينيها
تشع برقاً رغم أنها في الأرض التي أصبحت مهانة..
تعجب
القوم من هذه الوسامة فسموها بسموها فسميت بـــ: "سلطانة".
بدأت رحلتها عندما
أصبحت شابة..
ودارسةٌٌَََََََ في بلاد الملك بعد أن ترك أرضها بلا علم و لا علامة..
و
لما بدأت تستوعب و تعرف من هو صاحب الجلابة..
ملك
نهب أرضها وأراد لها أن تبقى عمياء بلا حضارة
...
وقفت في وجهه وصرخت
برفقة شباب من الصحراء المقدامة
...
لن تظل أرضنا مغتصبة
مهانة..
ولن
تظل سمائنا ملبدةً بغيوم سوانا،
و لن
يبقى شعبنا مقسوما بلا هوانه،
و لن
تبقى أمهاتنا تبكي على الثكالا
..
و ما إن انتهت من هذه
العبارة حتى بدأ الطلاب يرددون الشعارات الوطنية التي تهز الجيوش و صاحبها ( صاحب
الجلابة )
.. لم
يعد يطيق سماع هذه الشعارات الحساسة التي تدخل من أذنيه مثل الرماح،
و هو
صاحب الجيوش الجرارة و هم طلبة بلا حتى حجارة
...
صاح في وجه جيوشه
فرقوا رفاق سلطانة
...
وقفت في وجه جيوشه
الجرارة مع أبناء الصحراء المصانة...
اكتسحت الجيوش جموع
الرفاق الثوار،
و
بأحذيتهم داسوا على أجساد الطلاب الذين في عمر النوار ..,
و
بالهراوات كسروا الأضلع و الأعناق
..
و مسحوا الأرض
بالطلاب..
فهل يا ترى هذا الملك
من المغول أو من الأعراب
!..؟
مازال هؤلاء الطلاب
يرددون الشعارات..
و
يرفعون علم وطنهم المصان
..
أمر صاحب العمامة
عساكره...
أنزعوا أعيُن
"سلطانة" لكي لا ترى بعد اليوم هذا العلم ولا عالم الأوهام..،
إن لم
تكن تريد إيقاف هذا
التمرد و العصيان
..
أجابته
"سلطانة"
و في صوتها عانق الألم..الحزن..
الخوف..
بالبسالة و الفصاحة
..
فقالت
:ليس
هذا بتمرد ولا عصيان
..
بل امتداد لانتفاضة الأحرار..
انتفاضة أهل الصحراء
التي تهزم جنودك الجلادة..
و
ستلحقك بآبائك الحمالة
..
وهي التي سوف تعيد
العدل والعادات والتقاليد و الأمن و الأمانة..
و هي التي ستعيد إلى
أرضنا الربيع..
ولكي
تعود الطيور لتحلق في سماءنا..
وهي التي سوف تطردكم
من بلادنا و ستعيدكم إلى الجبال و الكهوف و الأدغال
..
ولم تزل تكمل حديثها
حتى انهالوا عليها بالضرب بالهراوات و العصي و الركل و الدس بالأحذية،
وهي
تتشبث بعلم شعبها و تردد شعارات...
فجأة انطفأ نور
سلطانة و لم تعد ترى إلا الظلام
...
تدخل رفاقها وشكلوا
درعا لتجنيبها بطش الجنود الحمالة
..
وضعت رفيقتها
"مينتو" رأسها في حضنها وهي تمسح الدماء عن وجهها..
لونت الدماء لحاف
"سلطانة" ..، ورفاقها يحاولون إيقاظهـــــــــا؛ "سلطانة..
سلطانة"..
أجمعت سلطانة قواها
ليصمد الطلاب في وجه إمام الجلادة
..
لكن ما تعرضت له كان
أشبهُ باصطدام بدبابة
..
نادت سلطانة رفيقتها
"مينتو"
مالي لا أسمع الشعارات..؟؟؟
و أرى الأعلام الوطنية ترفرف في سماء العدو و تغير من ألوانها السوداء ؟..
رددت الرفيقة و
الطلاب الشعارات و سمعتها بلا محالة
..
و رفعوا الأعلام التي
أختلط فيها الأسود اللامع بالأخضر اخضرار الربيع و الأبيض بياض الثلج الساطع و
الأحمر كالدماء التي تذرفها…
و كلون
دماء شهداءنا
..
ولم
ترها .. لم ترى أين منها...
و
تقول لرفيقتها
"مينتو" :
قولي لهم أن يرفعوا
الأعلام...
فتجيبها
: انظري
ألا ترينها يا سلطانة
..ألا
ترينها
..؟
اكتشفت
" يحجب" أن
الملك كان يعني ما قال
..
و
نفذ جنود الذل و العار أوامره بعينها، بأعين سلطانة
..
أُعتقل الطلاب على
اثر "الانتفاضة" و على رأسهم "سلطانة"،
وزج
بهم داخل أصغر زنزانة ..
و
ألف آهة
..
و
..
آهة
..
و
أصوات أنين و صراخ و ألم و صياح ينبثق من داخل الزنزانة
...
تنقبض
له قضبان أقفاص السجون وتنفطر له الأكباد
والسجانة
هم عنها معرضون...
وفي داخل الزنزانة
توجد "خيا سلطانة"،
تحضنها رفيقتها
"مينتو"، و تمسح عن
وجهها الدماء
..
نادت إحدى الرفيقات
أصيبت
عين "سلطانة"
..
أصيبت عين "سلطانة"
..
و أثر أحذيتهم على
جسمها تدل على بشاعة ما كان
...
احتج زوار الزنزانة و
أعلموا السجانة
..
فصرخوا في وجههم ماذا
تريدون..؟؟؟.
أجاب الطلاب :
صديقتنا مصابة...
أجابهم زعيم السجانة :
لم نطلب منها إهانة ( صاحب الجلالة) .. ملك الحمالة .
بعد أن تمكن الالتهاب
من عين سلطانة،
و خوفا
منهم من أهل الأرض المقدامة ،
من أن
تموت بين أيديهم و داخل زنزانة..
أرسلوها إلى مستشفى و جعلوا غرفتها أشبه بزنزانة.. وأصداف تربط يدها بالسرير الذي
ألقيت فوقه بلا مُعاينة وعِناية
...
و يقف عند الباب
كتيبة من الحمالة،
وقرب
رأسها سجان من السجانة
...
تم إطلاق سراح
"مينتو" ، و ذهبت إلى
المستشفى للحاق برفيقتها "سلطانة"
...
وعندما وصلت قالت للسجانة : أريد الاطمئنان على رفيقتي "سلطانة"
...
أجابوها : هي مسجونة
..
ردت عليهم : هذه
مستشفى و ليست مكان للسجانة، هيا أرحلوا و غادروا هذا المكان في الحال
..
أجابوها : هذه مؤسساتنا و
نحن نحولها من مدارس إلى سجون و من مستشفيات إلى حصون و من حدائق إلى قبور..
لكن اذهبي أنت إلى
بلادك و طبقي فيها هذا القانون
..
ردت عليهم
"مينتو"
: لو فقط انتم ترحلون
..
سنردها إلى ما كانت عليه قبل أن تدخلون
..
جنة في الأرض و في قلوبنا هي الوطن المكنون..
و
بعد أن عرفوا أنها لن تبرح مكانها قبل أن تطمئن على "سلطانة" الكون
..
سمحوا
لها بالدخول..
و
دخلت على الحمامة و اكتشفت إنها لا تغط في نوم عميق بل في غيبوبة لا يحولها عن
الموت إلا اضطراب في شهيق و زفير..
سألت "مينتو"
المسؤولين
:
ألم يُعاينها
الطبيب..
؟
أجابوها
: و
من سوف يسدد حساب هذه المُعاينة و خاصة مُعاينة العيون.؟؟؟.
ردت عليهم بثورة جامحة:
ألستم
أنتم من فعل بها هذا..؟؟؟
أو
أليست هذه مؤسسة من مؤسساتكم التي تأمرون فيها و تحولون؟؟؟...
فلماذا
لا تأمرون الأطباء إسعاف مريضة ملقاة على الفراش لا حول لها ولا قوة ولا عون؟؟؟...
لكنها عرفت أن ما في
رؤوسهم لن يزحزحه شئ
لأنها
أوامر من صاحب "الجلابة"
...
و بعد أن دفع الطلاب
بعض من تكاليف العيادة، تم تضميد جرح "سلطانة"
...
و في صبيحة اليوم
التالي استيقظت الملكة المصانة ملكة قلوب كل شعبها..
و ليست
ملكة "الحمالة"
..
استيقظت كما لم
تستيقظ في حياتها لم ترى شئ..،
و
أرادت أن تلمس وجهها بيديها البريئتين،
لم
تتحرك إحدى اليدين فتفقدتها و لمست أصداف حديدية و تذكرت كل الحكاية و تنهدت،
و عادة
لتلمس وجهها بيد واحدة إذا عصابة تلف عينيها..
صاحت :
أين
أنا..
أين
أنا..
؟؟
إلى..
إلى
أين أخذتموني؟؟
...
استيقظت
"مينتو" مفزوعةً من على
كرسي بالقرب منها..
فقالت : نحن في
المستشفى "ياسلطانة"..
نحن في
المستشفى...
لا
عليك أنا معك و أهلك في الطريق إلينا
..
سألتها "سلطانة":
لماذا مصدوفة اليدين ومعصوبة العينين ؟؟؟..و لا أرى منهما شئ إذا كنت في مستشفى..
؟
أجابتها رفيقتها : بعد
إلقاء القبض علينا تم تحويلك للمستشفى قبل أن يطلق سراحي و لحقت بك.. ولكن بماذا
تشعرين!؟
أشعر
بإحدى عَيني تؤلمني و ثقيلة لا أستطيع تحريكها حتى..
أما
الأخرى فلا أشعر بها بتاتاً
..
فقول لي ماذا
حل بي
..؟
و
ما هي قصة هذه الضمادات التي تلف أعيني..؟؟
وبهذه العبارات وُضعت الرفيقة
"مينتو" في مكان تُفضل
عنه لو كانت في ألف زنزانة و زنزانة..
و بعد تتعتع وعدم
الهام في الجواب..
قالت :
وضع
الضمادات طبيب
و قال
انه سيعود في الغد الباكر ليعاين أعينيك
...
مناورة جيدة في
الجواب.. لكن إلى متى..؟
و قبل أن تكمل كلامها
و بعد أن أطمئنت لعدم سماع نبأ قاطع عن سوء حالة عيونها..
قالت "سلطانة"
و ما
هو حال الرفاق..
؟
"مينتو"
: بعضهم مثلك تغص بهم المستشفيات
..
والبعض القي بهم في
الشوارع و الغابات بعد كثرة التعذيب و الإذلال و الاهانة والتنكيل و العاهات..
و
الآخرون في غياهب السجون
..
و كل من ذهب
ليسأل عنهم ضموه إليهم
...
طلبت
"مينتو" من"سلطانة" أن
ترتاح بعض الوقت في غضون مجيء الطبيب..
أعطتها منوما فنامت...
حاورت
"مينتو"
نفسها!!
شئ مريع أن يحصل كل
هذا "لسلطانة"..
!!
الشابة
التي سخرت لقضيتها و شعبها كل جهدها و نفسها و وقتها و كل ما تملك..
؛ دون
أن تفكر في كل ما تفكر فيه أي فتاة في عمرها،
وهي
تملك جمال و مال لو سخرته لنفسها فقط لعاشت حياة الأميرات...
حاورت
"مينتو"
نفسها بهذه العبارات و دموعها تسيل على و جنتيها..
و
عينيها رغم أنهما تغمرهما دموع بريئة..
يشع
منهما برق يحضن كل أبناء شعبها و من يتعاطف معها و مع قضيتها و مع من يقدر ما قدمته
رفيقتها "سلطانة"
و نار
لاذعة و سيل جارف يحرق ويأتي على كل الذين ينهبون البلاد ويقتلون و يعذبون العباد..
لماذا هي بالذات
..
؟ و لماذا أعينها
..؟
تلك الأعين التي أنارت لنا طريق نحو النصر و نحو حكم الذات
...
وفي هذا الغضون وصلت والدة "سلطانة" وأخبرتهم
"مينتو"
بكل تفاصيل الحكاية...
في
صبيحة اليوم التالي استيقظت الفتاة الحمامة و من حولها أهلها..
فتقلبت لتتفقد
الأصداف التي لا زالت تربطها بالسرير..
مازالت اليد مصدوفة
ومازالت مغمضة العينين تهيم في غياهب الظلام
...
و بصوت خافت وخوفا من
أن تكون مازالت نائمة و في الأحلام..
"سلطانة"...
"سلطانة"..
نادتها والدتها..
و من بين النوم و
الاستيقاظ ميزة الحمامة صوت هز كيانها و أجمع قواها وأخرجها من النوم و الغيبوبة
إلى الاستيقاظ
..
فنادت: أمي..
أمي..
أم أنا
أتخيلكِ
أتخيلكِ.؟؟.
نعم يأبنتي : هذه
أنا و لست تتخيلين
..
أنا والدتك
كيف حالك ؟ و بما تشعرين؟
..
اختلطت أسئلة الأم
باستفسارات "سلطانة"..
متى
جئت ؟ و من أتى معك ؟ و كيف دخلتم ؟
..
بادرت الأم بالجواب
عن استفسارات ابنتها من اجل إدخال بعض البهجة و السرور،
و تركت
لها الامتياز لما فيه حالتها
..
الأم :
ودوا
لو أنهم يأتون كلهم أهل العيون و بوجدور و باقي المدن..
؛ لكن
نظرا للظروف وضيق الوقت،
لم
يتمكنوا من القدوم ...
و في الوقت الذي
أرادت الوالدة إعادة استفساراتها
..
قالت
"سلطانة" :
أمي
..
نعم يأبنتي
..
قالت
لها
بصوت فيه اختلط الحنان والاشتياق بالضعف و الاستسلام..
احضنيني يا أماه..
احضنيني..
فانا
كنت صامدة طوال الوقت فقط لأسقط في أحضانك، الأحضان التي أقلعت بجامحي منها أول
مرة
..
ضميني و أريحيني من هذا العذاب و التعب والعبء الثقيل الذي احمله
و هذه
الأفكار التي تراودني ..أريحيني يا أماه
..أريحيني...
بهذه الكلمات لم يبقى
احد في تلك القاعة إلا و عيونه تفيض دموعا
..
هلعت الأم و جلست على
جانب السرير الذي ترقد فيه سلطانة
..
تمد يديها نحو
رأسها...
تقول: بالأحضان
يأبنتي
..
بالأحضان..
و لا
عاش من أذاك
..
و لن ينجى بفعلتهم الجُنات الجبناء..
و كما لو أنها ترى
..
جلست هذه الفتاة و مالت نحو أحضان أمها
...
دون أن تميل
سنتا واحدا عنه...
فاضت دموع كل زوار
المفشى
..
و أخذت سلطانة في سرد
الحكاية،
و
صوتها فيه أنين
..
و أنفاس متقطعة
..
و يحمل كل ما يمزق فؤاد المرء و كبريائه..
فقاطعتها
والدتها:
اعرف
كل الحكاية ياسلطانة، لهذا استرخي فقط لعلكي ترتاحي فجراحك لم تلتئم بعد..
دخل الطبيب فجأة وصاح
بصوت عالي: مهلا..
مهلا
..
ما هذه الفوضى في هذه الحجرة، هيا اخرجوا جميعا واتركوها وحدها
..
خرج الجميع من غرفة
"سلطانة"،
ولم
تبقى إلا صاحبة الحضن الحنين و الحصن الحصين..
لا
تختار "سلطانة" عنه ألف طبيب و طبيب...
الطبيب :
أنت
أيتها السيدة اتركي الفتاة جانبا و أخرجي..
الأم :
لن
ابرح مكاني و لن أفارق ابنتي موطئ قدم
..
أو تريدوني أن
أفارقها كي تكرروا جريمتكم الشنعاء فيها ثانية!!!
..
ألا تشعرون
ولا تحسون!!!..
قدر الطبيب مشاعر
الأم
..
قائلا: إذا اجلسي
على ذلك الكرسي جانبا..
فعلت الأم كل ما
يريده الطبيب إلا الخروج و الابتعاد عن السرير الذي ترقد فيه ابنتها
...
بدأ الطبيب بتضميد
أثار أحذية الجنود على ظهر و فخذي و ذراعي "سلطانة"..
و في
هذه الأثناء كادت تنغرس أصابع يدي الأم ببعضها من شدة الضغط عليهما وهي ترى هذه
الآثار التي تلبسها ابنتها و التي تشبه أثار عجلات شاحنة عسكرية مرة بأرض مبتلة
..
و هي كابتة دموعها و شعورها و
متسمرة
بلا حراك
..
و عند انتهاء الطبيب
من تضميد هذه الكدمات
..
اخذ يفتح
ضمادات التي تلف أعين "سلطانة" ؛ وكل لفة تلفها يداه تلف معها أعين الأم و قلبها
وكبدها تتقطع كمدا
..
و لما انتهى
عاين العين اليسر لسلطانة..
الطبيب :
لا
بأس..
لا بأس
.. تلزمها معاينة دقيقة..
دخل
الاطمئنان قلب الأم كسهم الرحمة
..
ولما اخذ يعاين العين
اليمنى رسمت على وجهه علامات الذهول و الرعشة التي أخذت منه ما أخذت و تراجع للوراء
بالتفاتة سريعة ووجهه متجعدا من الذهول
..
وبهذه الخطوات
أخذت الأم ووقفت كما لو أنها تذرف دما
..
و
كلامها تحول إلى سكاكين صمت داخلها تكسر العظام قبل أن تمزق الأفلاذ و الأكباد
..
و انطلقت على الطبيب
المغلوب على أمره بسيل من الأسئلة
..
الأم :
ما
بك..
؟ ماذا
بها ؟ ماذا هناك..
؟ ما
هي حالة عينها..
؟
أجاب كأول إجابة
أجابتها الرفيقة رفيقة "سلطانة"
فيها
تتعتع و عدم الهام في كلام الجواب
..
الطبيب :
علينا
أن نفحص فحصا سريعا للمريضة
..
فأمر الممرضات بإعداد
غرفة المعاينة
..
و نقلت "سلطانة" بنفس
السرير الذي كانت عليه..
والممرضات يقولن :
اخلوا الطريق .. و أهل "سلطانة" يحيطون بها كسرب طيور..
و
بيدها حديد ونار و اليد الأخرى بها كل الحنان و أجمل نور و نوار..
تمسك
والدتها بيدها ولتقوي من عزيمتها،دخلت "سلطانة" غرفة المعاينة الفائقة
..
وهذه المرة منعت الأم
من الدخول معها شريطة أن تظل تُطل عليها من نافذة زجاجية مغلقة
..
بعد
ساعات من الشك واليقين تأكد الأطباء أن عين "سلطانة" مفقوعة ؛ و لكن من يجرؤ على
إبلاغ تلك العائلة بفقدان إحدى أجمل أعين العيون
..
خرج نفس الطبيب إلى
العائلة..
كادوا
أن يفقدوه صوابه بالأسئلة
...
فصاح في وجههم:
أعطوني الوقت لأجيبكم
..
صمت الكل..
فقال : "سلطانة"
تلزمها عملية قيصرية سريعة الآن
..
فهل تقبلون
إجراء العملية على ضمانتكم ؟
ليس لهم خيار فحياة
ابنتهم على المحك
..
قبلت العائلة على
لسان والدتها
..
الطبيب : اذهبوا إذا إلى
إدارة المستشفى و وقعوا قبولكم العملية وأ دفعوا تكاليفها و أتموا تكاليف ما
قبلها.. !
ذهب الأخ و الرفيقة
ومعه ما يلزم
..
و في هذا الغضون بدأت
إجراءات العملية التي تعقد عليها العائلة أمال سلامة أعين "سلطانة" ؛ و بالمقابل
يعقد عليها الأطباء و قف زحف الالتهاب الذي حل بالعين اليمنى "لسلطانة"
..
تقف الأم و جبينها
مسند على زجاج النافذة الذي تراقب به أنفاس ابنتها
,
ودموعها تسيل
على خديها و تقطر على الزجاج مشكلة سيلا متصل منبعه أعين أم "سلطانة"
..
بعد انتهاء العملية
لم يشأ الطبيب الخروج ؛ لان كل الجهود التي كان يبذلها من اجل شئ هو أسوئ
الاحتمالات للعائلة
,
والى تلك الأم
التي ذرفت دموع أعينها من اجل غرة عينها..
بعد تردد طويل وشفقة
بالأم الحنون
..
تشجع الطبيب و وقف
بين يدي العائلة
...
تلك الأسئلة و
الاستفسارات التي عودوه عليها،
لم
يبادروه بها فبادروه بشئ أشد عليه حملا منها
..
صمت يجوب
المكان و شفاهٌ محكمةٌ بإحكام..
لم يطق الطبيب الموقف..
الطبيب : أقول لكم
إنني حاولت جاهدا من إيقاف الالتهاب الذي حل محل عين "سلطانة" فتمكنت أنا و طاقمي
من ذلك
..
و العين اليسرى "لسلطانة" هي بخير الآن ،
أما
العين اليمنى فانا لست مسؤولا عن فقدانها لأنها لم تصلنا إلا وهي قد تم فقعها..
و
التفت إلى الوراء و أعطاهم بظهره واخذ يهرول
..
لم يرد أن يرى
ردت فعل العائلة و خاصة الأم التي رأى دموعها منذ أول رؤية لها إلى أخر نظراته
إليها
,
و شراستها في الدفاع عن ابنتها السمراء .. سمراء المنبت و الجذور
..
التفت الفتى إلى الأم
و رآها تقف وقفت الجبل بلا حراك،
تنظر
اتجاه الفتاة الملاك،
و
عانقها و اخذ يقبل يداها ويعانقها محاولا إعادتها و إخراجها من الشرود الذي دخلت
فيه..
أحست الأم بقلق ابنها
عليها وخوفه
..
الأم : يأبني
..
لا تخف
أنا مازلت قوية رغم ما حل بنا
..و
ما يجعلني أقوى هو أن أختك لم تفقد عينها بسبب شئ تافه أو باطل ؛ فأختك بعد ما حل
بها ستغدو مبراصا للبطولة و التضحية..
فهي
التي ضحت و سخت بعينها من اجل الوطن و من اجل شعبها،
لهذا
عليك أن تقدر هذا جيدا،
ولا
تدع دموعك تذرف حزنا على ما قدمته "سلطانة"
..
أختك سخرت نفسها و
حياتها و عليك أن تحمد الله على أنهم اخذوا عينها فقط ..،
وهي
التي قدمت لهم من اجل الوطن و الشعب نفسها و حياتها
..
أقسم الفتى و هو يقول
:
لا
نامت أعين الجبناء يا أمي لا نامت أعين الجبناء...
حتى
ترى أعين أُختي أرضنا طاهرة حُرة يُرفرف فوقها علم الحرية و الانعتاق
..
بعد انتهاء العملية
استيقظت الشابة البطلة، و قبل أن تستقر حالتها الصحية زج بها في عدة مخافر للشرطة..
إلى أن
تمت محاكمتها محاكمة جائرة وزج بها في السجن؛ لو لا تدخل منظمات حقوقية عالمية
للإفراج عنها لكانت لاتزال تقبع الآن في السجون..
رفاقي رفيقاتي هذه هي
حكاية
الطالبة سلطانة خيا،
حكاية
واقعية
...
و ما هي إلا ذرة من
معاناة شعب عربي يئن تحت وطأة احتلال عربي...
عربي العنوان..
إسرائيلي السياسة و المضمون..
تساعده في ذلك جل
الأنظمة العربية..
جراحك رفيقتي أوسمة تطير
بها النسور فوق قمم الجبال، وعلم نرفعه نحن أطفال شيوخ.. نساء.. رجال ...
و كل الوطـــن أو الشهـــادة
احمد
المهدي
elmehdi05@yahoo.fr |